بين الواقع والخيال

Ad

محمد سواعد الحميراء
العلماء هم القادة الحقيقيون للأمم وهم موجهو افكارها وبناة نهضتها، يصلحون الواقع ويستشرفون المستقبل، ينصحون ويوجهون ويجتهدون في وضع كل امر مكانه؛ هكذا تبنى المجتعات وترتفع وعندما يجتمع للامة علماء واقعيون وأمراء مشفقون تكون قمة الابداع والرقي في حياتها بل انها عند ذلك تشع نورا وأمنا وأمانا على من حولها من الأمم والمجتمعات وهذا ما حصل مع امة الإسلام في أوج حضارته يوم كان امراء الغرب وملوكهم يفتخرون ان ابناءهم يدرسون في جامعات دمشق وبغداد والزيتونة وغيره.
عاشت المجتمعات المسلمة وتنعمت ظلال الخلافة والعدل والرحمة بل ان هذه الرحمة شملت المجتمع بكل اطيافه فلم يفرق بين المسلم وغيره الا في الشعائر واوقات الصلاة وغيرها من العبادات اما الحياة اليومية فكان الناس يشتركون في كل شيء تقريبا السوق والتجارة والمواساة والمشاركة في الافراح والاتراح، وعقدت في دار الخلافة مجالس للعلم شارك فيها الشعراء والادباء من كل الملل والنحل وتقدم العالم والاديب والشاعر بعلمه وجدارته وانتاجه وليس وفق دينه او لونه.
وكان العلماء في الدولة الإسلامية يجتهدون لكل نازلة وواقعة بما يناسبها، ومنهم من اجتهد لغير زمانه وابدع في ذلك ولا تزال علومهم تلقى القبول والاستحسان لدى الامة الى يومنا هذا، والأعظم من ذلك ان علماءنا غيروا علومهم وفقا للزمان والمكان الذي نزلوا به ولم يمنعهم من ذلك خوف من العامة او السلطة او غير ذلكن.
كان ابن عمر رضي الله عنهما تعرض عليه المسألة فيفتي بها براي ما ثم تعرض عليه نفس المسالة بعد فترة فيغير الفتوى وإذا سئل عن ذلك قال: علمنا فأفتينا ونعلم فنفتي، يعني انه اجتهد في المسألة وبلغه فيها علم جديد فأفتى به.
والامام الشافعي رحمه الله عاش زمنا في العراق ووضع قواعد واصولا للفقه والفتوى فلما انتقل الى مصر بدل وغير في أقواله بما يتناسب مع المكان والزمان الذي يعيش به، وهكذا تجلت مرونة الإسلام وسماحته وتعامله مع الواقع والمستجدات واستجابته لظروف الزمان والمكان بما يتناسب مع أحوال الناس وما يلائمهم بغير تمييع لمعالم الدين او تشويه لعظمته.
في مطلع العام 2011 اشرقت شمس الربيع العربي في شرقنا العربي وبارك ذلك علماؤنا عندما ظننا ان ذلك سيكون فيه الخلاص والتجدد والحرية للإنسان والاوطان، ولكن على ما يبدو اننا لسنا مؤهلين بعد للعيش في شموس الحرية وفضائها او ان هناك في العالم من يجيد ركوب الأمواج واستغلال الظروف وتسيير الرياح نحو مصالحه فانقلب الربيع خريفا وتساقطت الأرواح بدل أوراق الخريف وجرت الدماء في شوارع دمشق وصنعاء وبغداد بدل ان تمطر السماء ماء ينبت الزرع ويدر الضرع وتشرد الأطفال وترملت النساء وبتنا اشقى الأمم كالايتام على موائد اللئام بل نحن ايتام على موائد ملوك لئام لا يرعوون في شعوبهم الا ولا ذمة الا ما يخدم مصلحة اسيادهم قبل مصلحة اوطانهم، وباتت ارضنا واهلنا واوطاننا حقول تجارب لسلاح العالم اجمع ووفرنا على مصنعي السلاح أموالا طائلة في تجربة السلاح بل زدنا ارباحهم يوم اشترينا سلاحهم بغير سابق تجربة.
يا علماء الامة اجمع يا من نحبكم ونجلكم ونعيش على هدي ونور علمكم اما تحرك فيكم انهار الدماء ودموع الرجال وامواج البحار التي تغرق أفواج اللاجئين الفارين من جحيم بلادهم الذين دمرت وهدمت بيوتهم على رؤوسهم وهم يخرجون للجهاد على سلطان جائر بناء على ما افتيتم به حينما استبشرتم بالربيع العربي كما استبشرنا اما ان لكم ان تتحركوا نحو مؤتمر إسلامي عاجل لبحث ما آلت اليه الأحوال في ربوع بلادنا، يا شموس الهدى ومصابيح الدجى اما ترون ان هناك من الأعداء والمنتفعين من يستغل فتواكم لزيادة الدمار والخراب ولو على حساب الاوطان والانسان، اوما تعلمنا من سيرة الحبيب انه نهى عن قتل المنافقين حتى لا يقال ان محمدا يقتل أصحابه، فكيف تقبلون ان تجير فتاويكم لينشر باسمها الفساد والدمار في ارضنا وشعبنا وانساننا.
يا شموس الهدى ومصابيح الدجى ومنارات العلم والايمان في عالمنا العربي والإسلامي، اما ترون ان بوصلة الامة قد انحرفت عن مسارها وبات مصيرنا يتحكم به غيرنا يوم لم نعد نسمع منكم موقفا واضحا جازما يدعو الى السلام والمصالحة حقنا للدماء وكرامة للنساء والامهات وتوفيرا في دموع الرجال والشرفاء، يوم بات الاعلام يوجهنا كيف يشاء.
يا منارات الهدى يا من نحبكم ونجلكم هذه زفرات قلب موجوع وآهات روح مكلومة لما نرى ونسمع حتى باتت دماؤنا ارخص من الانعام التي ارتفع سعرها وباتت جثثنا لا تجد من يكرمها بقبر يسترها بل أصبحت طعاما لاسماك البحار ف”هنيئا لك يا سمك البحر”.

Be the first to comment

اترك رد