وداع أهالي بير المكسور للأستاذ كمال أبو ريّا (رحمه الله)

(أهالي بير المكسور-عنهم: موسى حجيرات)
لم نعرفك، يا كمال، مدرّسًا في ثانويّة البلدة، ولا مستشارًا لطلابها فقط، بل عرفناك ابنًا لعشيرتنا، وأخًا لأبنائنا. وعرفناك حاميًا لأعراضنا، وغيورًا على نسائنا.
أنت منّا، يا كمال، بشخصك، ومبادئك، وأخلاقك، وسلوكيّاتك.
أنت منّا برحابة صدرك، ودماثة خلقك، وابتساماتك التي ليس لها حدود.
يعرف المعلمون والموظفون أنّ الجديد في وظيفته يداوم سنة أو سنتين ثمّ يعود إلى بلده، وأنت، ومنذ أعوام عندنا ولم تعد إلى سخنين، وهم أهلك وذويك لكنّ بير المكسور بلدك ومقرّك.
نعرف أنّك آثرتنا فآثرناك، وقبلتنا فقبلناك.
نعرف أنّ الوظائف في سخنين كثيرة وتناديك، والعمل وفير وينتظرك، لكنّك لنا وعندنا ومنّا.
لم ننازع أهلنا في سخنين على الدّنيا وما فيها لأنّهم أبناء جلدة، وعمومة، وقرابة. ولكنّنا اضطررنا أن ننازعهم إيّاك لأنّك كنز ثمين. نعلم أنّنا ما فرّطنا فيك حتّى لأحبّتنا السّخنينيّين، ولكن ها هو الموت ينتزعك منّا ومنهم، وترقد في وادي الصّفا، كلهم حولك وأنت وحيد.
ووالله، لو أنّ الموت يقاوَم لوقف أبناء عشيرتنا، رجالها ونساؤها، شيوخها وشبّانها وأطفالها، دفاعًا عنك. ووالله لو أنّ القتال يعيدك إلينا لقاتلنا العالم وأعدناك.
كم تنميّنا، يا كمال، أن نأتي إلى سخنين بحشودنا للاحتفال بتخرّج أبنائك، بخطوبتهم، بزواجهم، ولكن القدر جعلنا نأتي بحشودنا لنشيّعك من مسجد النّور إلى وادي الصّفا. جعلنا نجلس ونستمع تعداد مآثرك، يعدّدها الخطباء والمتكلمون.
شهدوا لك في المسجد شهادات كلّها خير. شهدوا لك بالتّقوى، والعزّة، والأنفة، والتزام الدّين، وريادة المساجد. شهدوا لك بالسّماحة، والخلق الحسن والأناة.
سمعنا شهاداتهم ولكن أجمعنا أنّهم لم يوفّوك حقّك، فأنت أكثر من ذلك بكثير.
لم نعرف شخصيّات أبناءك وزوجتك، ولكن عرفنا قيمتهم لديك، وعرفنا مدى اهتمامك بهم. فإن وعدناك أنّنا سنتابع مسيرتك معهم، فوالله لا ننقص عليهم من حطام الدّنيا شيء، وهذه مقدرتنا، ولكن ستنقصهم أنت.
عرفنا زوجتك من شكلك وهندامك. عرفناها من ثقتك بنفسك، ومن هدوء بالك، وقوّة شخصيّتك، ودائمًا أيقنّا أنّ وراء هذا الرّجل العظيم قوّة تدفعه ويدان تصونانه.
يا كمال، والله أنّ رفقة أعوام عديدة لن تسطّرها كلمات وجمل، ولن تتمكن من كتابها الأقلام، ولا من احتوائها السّطور، ولن تغطيها الصّحافة أو ينصفها الخطباء.
فإلى جنّة الخلد، يا كمال، إلى جنّة النّعيم.

Be the first to comment

اترك رد