هواجس عصرية: بقلم سهم طباش.

صور الحائط لا تعنيني يا امي ولا المزركشات التي وضعتيها في غرفة نومي… التكاليف الباهظة التي صرفتموها لا اراها ولا اشعر بها… ما ينقصني هو حضنك الدافئ وحضورك في البيت…


سهم طباش 
افكار وهواجس كثيرة تمخضت عن تلك الليلة الظلماء, استرجعت فيها كل ذكريات الماضي الجميل, ذالك الماضي الذي لطالما اشتقنا اليه, ولو ابتعدنا كل البعد سيقتلنا الشوق والحنين اليه, فطريق اللاعودة ينتظرنا ليأخذنا الى عالم موحش ومبهم يوحي بالظلمات والجهل, فلا بد من المثول امام مجريات العصر بقوة وكبح جماح النفس بشدة تلك النفس التي اذا اطلقنا لها العنان لكشفت اسرار غريبة لكل واحد منا ولخجلت البشرية جمعاء مما قد يتمخض عن استرسالها بالمعصية. فنحن امة نسينا الماضي الجميل وقد اقترفنا الذنوب بحق انفسنا, ابتعدنا عن الالفة والمحبة والتواصل مع الاقرباء وتوجهنا توقا وشوقا نحو الغرباء الذين لا نعرفهم ولا نعرف خلفياتهم.

تارة تشدنا مناظرهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتارة اخرى تشدنا حركاتهم الناقصة, وبدون تفكير او تأمل بمكنونات شخصياتهم او بتاريخهم الاجتماعي تجد انفسنا تتواصل معهم بشغف ونشتاق اليهم وننتظر التعليقات منهم وللتو نشعر بان حاضرهم حاضرنا وقد دخلنا للحظات في كل مجريات حياتهم اليومية, ناكل معهم في المطاعم, نتصور معهم, نعيش كل لحظاتهم الصادقة منها والكاذبة, السعيدة والكئيبة, حتى لحظات السمر نحن معهم, في نومهم, في مرقدهم, حين نهوضهم, حتى باخص اللحظات اصبح من الضروري اشراكنا… اهل هذا ما ينقصنا حقا…هل هذا ما نحن بحاجة اليه…

لا اريدك انت تكوني غير هذا بالرغم من كل الحجج والتبريرات وبالرغم من كل التعليقات التي ستحصدينها في اول ظهور لك بجارزة او ببنطال او بتسريحة شعر… انت بعيني يا امي اجمل من كل الاطراءات التي ستحصدينها منهم…

ايتها الاخوة والاخوات… ايتها الام الفاضلة التي كتبت على فضلك أياتا من القران الكريم وقيل فيك شعرا… يا من نظرت اليك فوجدت فيك الطهر والنقاء يا من ولدتني وربتني… يا من ارى فيك كل الصفات الحميدة… لا تجعليني اشعر بالخجل من ظهور لا يليق بك… فانت امي ومرقد نومي… انت الراحة والطمأنينة بالنسبة لي… اني اريدك اما… لا اريدك انت تكوني غير هذا بالرغم من كل الحجج والتبريرات وبالرغم من كل التعليقات التي ستحصدينها في اول ظهور لك بجارزة او ببنطال او بتسريحة شعر… انت بعيني يا امي اجمل من كل الاطراءات التي ستحصدينها منهم… فانت بالنسبة لي الهواء والماء… انا لا اريدك ان تكونين دمية على مواقع التواصل ولا اريدك ان تكوني جهازا نقالا او سلعة تباع وتشترى كمقتنيات العصر… لا اريد ان يستباح النظر اليك والتمعن بك وبمعالمك لكل من يريد… فكونك امي انت اكبر من هذا بكثير… اريد ان اجدك حين احتاجك فعطفك يغذيني وحبك يدفيني وحضنك يجعلني رجلا لا اهاب من تقلبات الدهر… صور الحائط لا تعنيني يا امي ولا المزركشات التي وضعتيها في غرفة نومي… التكاليف الباهظة التي صرفتموها لا اراها ولا اشعر بها… ما ينقصني هو حضنك الدافئ وحضورك في البيت… ورديات العمل تجعلني انام ودموعي تبلل أوسدتي اتقلب يمينا ويسارا لعلك تكونين بقربي ولعل يداك تلاطفني ولعل انفاسي التي يقاطعها شوقي تتغذى من رائحة عطرك السخي…اريد ان اجتمع بك على مائدة دافئة تكونين فيها انت وابي وندعو جدي وجدتي حتى لو كان فيها قليل من الخبز والحساء فهي بالنسبة لي معكم اجمل عشاء وبكم يحلو اللقاء ويكون العيش بصفاء دون التكدر والبعد عن كل الشقاء… كل الاعذار التي ستقدميها لا تساوي حضنك فانا منك وانت مني فقد كنت اياما طوال جارا لقلبك ونعم الجيران كنا لا نختتل الاسرار وكل الهمسات التي كانت بيننا ستبقى بيننا… كنا نتالم سوية ونفرح سوية ودقات قلوبنا كانت اجمل سنفونية عزف… فهلمي يا امي نكمل المسير سوية هلمي لنكون عائلة ونترك كل مغريات العصر وراءنا ونرفض كل من يحاول تنغيص عيشنا… او يحاول تدمير مستقبلنا… نحن لسنا بحاجة لرؤية الكثيرين منهم او التواصل مع الكثيرين نحن من سيجعل الكثيرين ينظرون الينا ويتبعوننا حين نكون قدوة وعائلة… حين نكون افراد ناجحين في مجتمع انشغل عن القيم والعادات والتقاليد بأمور بسيطة لا تساوي شيئا مقابل بناء مجتمع كثر فيه الخطأ واصبح فيه الشأن للسطحيات والكماليات… فنحن بحاجة لرجالا ونساءا يشقون طريقهم دون خوف او وجل… كلماتهم توحي بشخصياتهم… يفعلون ما يقولون وحين يتحدثون عن المبادئ يحصدون مبادئ وليس مصالح…

3 Comments on هواجس عصرية: بقلم سهم طباش.

  1. كل الاحترام على الكتابات الراقيه واللغه الرائعه الى المزيد من العطاء المثمر

  2. جميل جدا بوركت كلماتك النقية الطاهرة التي تنبع من قلب رحب أبى المظاهر الكذابه التي نعيشها كل يوم مع كل الاشخاص واختار التواضع وملكة هذا الكون .. ربي يخلي كل الامهات قدما والى الامام.. يا سهم دوما كنت متألقا

اترك رد