حالة غريبة

يتكرّر دائما على ألسنة العامّة مبرّر اللامبالاة، وعدم الاهتمام، والتّجاهل المتعمّد بالقول: “زاحت عن ظهري بسيطة”.
حتّى يصل اللامبالي لدرجة يُزاح عن ظهره كلّ شيء، فلا يبالي في أي سلوك، أو أيّ عمل لآخر، بل لنفسه، أيضا فيُعزَل عن الآخرين، وينطوي عل نفسه، ويعاني من السّفر وحيدًا في الحياة، ومن المواجهة المحتملة بمفرده.


موسى حجيرات
لا يتساءل أحد عن حالتنا، فهي حالة غريبة فعلًا. ولكن تلبية للفضول نسأل: ألسنا من مجتمع الإنسانيّة، الأعمّ والأشمل؟ أليست تحكمنا قيمه ومعاييره الإنسانيّة؟
نعم. نحن كذلك. فلماذا، إذن، نصرّ على أن تمتهن أجساد نسائنا في الأعمال الشّاقّة التي يخرجن إليها تاركات بيوتهنّ وأطفالهنّ، ومسافرات مسافات بعيدة؟ أليس لأجسادهنّ عليهنّ حقوق كثيرة؟ ثمّ ألسن ضمن مسؤوليّتنا الإنسانيّة؟ فهنّ عندنا عوان.
ألسنا أمّة إسلاميّة، دينها حنيف ينصف المرأة ويعطيها حقوقها، ويكرّمها كإنسان، وكمخلوق آدمي، أحسن الله صورته، وخلقه، وأسبل عليه زينة وقداسة، فلماذا تتسابق نساؤنا إلى العري والسّفور؟ هل إتّباعا للموضة والعصرنة وتقليدا للغرب؟
ألسنا أمّة عربيّة، لها عادات وتقاليد نفخر بها مرّ العصور؟ والمرأة حسب هذه العادات سيّدة في خدرها، راعية لبيتها، مربّية لأبنائها. فإن جار الزّمان عليها هبّ المجتمع عونًا لها وسندًا. فلماذا تفخر بناتنا في الفساد، والانحلال، والخروج عن طاعة الأهل والزوج، بل يرين الطّاعة قيدًا رجعيّا، والالتزام بالعرف تخلفًا.
ألسنا شعبًا فلسطينيًّا عريقًا، له مقوماته ومكوناته، والمرأة فيه مناضلة، مكافحة، مقاومة يشهد لها القاصي والدّاني. ولنساء فلسطين القصص والحكايات الطويلة التي تعجز دواوين الحماسة والملاحم عن وصفها. فلِمَ الميوعة، إذن، في السّلوك والتّصرفات؟ ولِمَ الخضوع في الكلام والفعل؟ ولِمَ التبعيّة للآخر الهادم، حتّى وإن كان تقنيّات غير إنسيّة؟
ألسنا مجتمعا عامًّا، فئاته صغيرة، قليلة أعدادها، بل هي أسر، وعوائل موسعة، وحمائل يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، بينهم أواصر القرابة، والنسب، والمصاهرة؟ إذن، لماذا نتجاهل سلوكيّات قريباتنا، أخواتنا، جاراتنا؟ أليس ذلك غريبا؟
لا مبالاة هي أم ماذا؟
يتكرّر دائما على ألسنة العامّة مبرّر اللامبالاة، وعدم الاهتمام، والتّجاهل المتعمّد بالقول: “زاحت عن ظهري بسيطة”.
حتّى يصل اللامبالي لدرجة يُزاح عن ظهره كلّ شيء، فلا يبالي في أي سلوك، أو أيّ عمل لآخر، بل لنفسه، أيضا فيُعزَل عن الآخرين، وينطوي عل نفسه، ويعاني من السّفر وحيدًا في الحياة، ومن المواجهة المحتملة بمفرده.
إنّها سلوكيّات غريبة تسلكها نساؤنا في هذا العصر، لا مبرّر لها ولا مؤثّر سوى أنّها تقليدًا أعمى، وما التّقليد الأعمى سوى فقدان الشّخصيّة، والاستقلاليّة، والتّأثير، والوصول إلى التّبعيّة البغيضة.
نعم، لقد صار اللباس الاسلامي رجعيّة، وستر العورة تخلفًا.
وسارعت نساؤنا إلى الخروج الجماعي إلى العمل خارج المنزل، وخارج البلدة، وخارج المنطقة في ظروف صعبة، مهينة، حقيرة، تمتهن شخصيّة المرأة، وجسدها، وتفكيرها، ومكانتها. صارت تُعامل النّساء كالقطيع في الذّهاب والإياب، ويعملن بأجور زهيدة، وظروف عمل قاسية لا تطاق.
صار يذكر في صفوف العاملات انتشار حالات الاغتصاب، والابتزاز الجنسي، وخاصّة في صفوف الصّغيرات الجميلات منهنّ.
صارت الزّوجات تشترط على الأزواج التّزود بأفخر السيّارات الفارهة، والبيت الواسع، والفرش الوثير ممّا يثقّل على الزّوج الدّيون، والالتزامات الماديّة.
أصبحت الكثير من النّساء يؤثرن الغياب المتواصل عن البيت بحجّة العمل في ورديّات مختلفة.
وانتشرت عادة الرّحلات خارج البلاد بدون تخطيط، ودون معرفة ودراية، ودون تحديد أهداف، بل يظهر أنّ المهمّ هو صورة في الطائرة، والمطار، واستانبول وروما.
كما شاع بين نسائنا عادة الاحتجاج على كلّ معاملة لأبنائهنّ من المدرسة، المعلمين، الإدارة ومن كلّ الآخرين في الشّارع، وكثيرًا ما تكون لصالحه، ولكنّ هذا الاحتجاج مفهومه التّقدم، والرّقي، واثبات الشّخصيّة، وإظهار المعرفة المتخيّلة لدى بعض الأمّهات.
هذه السّلوكيّات تقارن مع السّلوك السّوي الصّحيح كسلوك العاملات في ظروف مريحة، وأجور مربحة، وأعمال نسائيّة ملائمة لقدراتهنّ ومهارتهنّ، بها يشبعن فضولهنّ، ويميّزن بين الأساسي والفضولي، ثقة منهنّ بأنفسهنّ، وأحيانًا يعملن لحاجتهنّ فتُلبّى على أتمّ وجه، وأحسن حال. وفي عملهنّ يثبتن شخصيّات قويّة، مؤثرة على بيئتهنّ، وأبنائهنّ، ومحيطهنّ، وجوارهنّ.
حين مقارنة هذه السّلوكيّات مع بعضها ندرك أنّ الأمر يستدعي وقفة هامّة جدّا، فيها يوضع الوضع الرّاهن، ومكوّناته، ومقوّماته، والعوامل التي أدت إليه، وما آل إليه المجتمع بأكمله على طاولة البحث والتّقصّي لأنّ الأمر يستلزم مراجعة الحسابات، واتخاذ القرار المصيري والصّويب.
ولكن لغرابة الأمر، وغرابة الحالة تواجه هذه السّلوكيّات لا مبالاة تامّة، خفيّة، وأحيانًا نجد ردود فعل غريبة أساسها عدم الاهتمام.
فإن قلنا عن اللا مبالاة، كما قيل عنها: “حالة وجدانيّة سلوكيّة، أساسها عدم الاهتمام، وعدم ردّ الفعل المناسب، بل وقمع الأحاسيس وعدم الحساسيّة”، نسأل: “هل هذا يناسب ذلك أمّة انسانيّة، عربيّة، فلسطينيّة؟
وإن قلنا، كما قيل: “اللامبالاة فيها الأنانيّة، والفوضى، وعدم الاهتمام والكسل”.
هل هذا يناسب قيمنا الاجتماعيّة الإسلاميّة الدينيّة؟
وإن قلنا عن اللامبالاة، كما قيل عنها: “أبغض الأخلاق الاجتماعيّة”، هل يناسب ذلك اجتماعيّاتنا، والمعايير الأساسيّة التي نبني عليها حياتنا، ونستمدّ منها سلوكيّاتنا الاجتماعيّة؟
قد نجد مبرّرات كثيرة في الدّراسات والبحوث، وفي الكتب والمجلات، وفي الإعلام بأشكاله، وفي الالكترونيّات والشّبكات وعلى ألسِنَة العامّة.
قد نتحجج بانخفاض المستوى الثّقافي بيننا، وفي مجتمعنا إثر ظروف خارجيّة خارجة عن سيطرتنا.
قد نقول الأمر متعلق بشخصيّات نسائنا اللاتي يخشين المواجهة الاجتماعيّة لاستدخالهنّ شعور الدّونيّة إثر معاملة المجتمع المحافظ.
وقد نقول كثرة الضّغوط الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تُحْدِثُ عدم التّدبّر، وعدم المقدرة على تحقيق الأهداف، وما يراد، وما يحلم به النشء، وتحوّل حياة نسائنا الى الصّراع المستمر من أجل العيش فقط. وكبت كلّ تطلع آخر للرّغد، والرّفاهية، واتباع الرّغبة والميول.
ومع كلّ هذه المبرّرات المختلفة، ما الأمر إلا حالة اجتماعيّة نابعة من ظروف معيشتنا في دولة غربيّة من حيث المفاهيم، نقلّد سلوك الأغلبيّة فيها ظنّا منّا أنّها مثلًا في السّلوكيّات الرّاقية.
والعيش مع هذه الأغلبية التي تعاملنا كأقليّة مستضعفة، وتهدف إلى احتوائنا بغية إبعادنا عن قيمنا التي تثبت استقلاليّتنا الاجتماعيّة، وتؤكد شخصيّتنا العربيّة الفلسطينيّة.

Be the first to comment

اترك رد