العنف الاجتماعي في المجتمع العربي الفلسطيني في الدّاخل

د. موسى حجيرات
إنّ العنف يستشري في مجتمعنا العربي الفلسطيني، بين أبناء الأقليّة العدديّة العربيّة التي تعيش في دولة إسرائيل المعادية لشعبها العربيّ في دول الجوار والعالم.
يقال ظاهرة العنف، ويقال هي حالات فرديّة ولكنّها كثيرة نسبيّا، يتحدّثون عنها وكأنّها القتل، العنف الجسديّ، والتّعذيب، والاغتصاب، أو كأنّها العدوانيّة، والتّدمير، والتّخريب، والقرصنة، أو كأنّها اللوم، والعتاب، والتّوبيخ، وغير ذلك. كلّ من منظاره، وكلّ يكيل بمكياله الخاص.
فالسّاسة يتحدّثون عن العنف، وكذلك القادة، والزّعامة، والرّئاسة، وذوو المناصب والدرجات الرّفيعة، ويستغلونه، أحيانًا، ويطوّعون الحديث عنه لرفع إيديولوجيّاتهم، ومعتقداتهم السّياسيّة، وكثير منهم يوظّفونه كسبيل مفتوح لمهاجمة المؤسّسة الحاكمة، وخصوصًا الشّرطة ووزارة الأمن الدّاخلي.
ويتحدث عنه العامّة بالشّكوى، والألم، والحسرة، والإحباط، بل ومناشدة الغير، وطلب المساعدة منهم، واللجوء إلى طلب الحماية من الغير، فهم المتضرّر الرّئيسي والأساسي من انتشار الظاهرة وحدّتها.
ويتحدّث عنه الباحثون، وطلبة العلم، والعاملون في المجالات الاجتماعيّة النّفسيّة، ويحوّلونه إلى مواد نظريّة وتوثيقيّة، وكأنّها تخدم طبقة متخصّصة في هذا المجال فقط.
أمّا نحن في هذا الصّفحات فندرك أنّه يصغر المقام لوصف الظاهرة، ونقاشها، وبحثها، وتحليلها، وذكر الأسباب، والعوامل المؤدّية إليها، ولكن كمساهمة متواضعة قد لا تصل إلى لبنة من لبنات البناء المتكامل، ولكنّها ربّما تسدّ ثغرة بسيطة.
فالعنف ثقافة، والثقافة عرّفت، كثيرًا، بأنّها مجموعة سلوكيّات يحدّدها الذّوق العام للمجتمع. وهي ، إذن، ليست حقائق ومعارف جاهزة، ولكنّها نموّ تراكميّ على المدى الطّويل، وتنتقل عبر الأجيال بالتّهيئة الاجتماعيّة.
فالعنف، أصلا، دفاعيّ للحفاظ على الوجود والاستمراريّة ويشترك فيه الحيوان والإنسان. ومنه ما هو غريزة حبّ إفناء الغير بغية الانفراد بالموارد على أنواعها وينفرد به الإنسان دون غيره.
وهذا العنف الغريزي يتأثر كثيرًا بالعوامل البيئيّة الثّقافيّة المحيطة بالفرد والجماعة، وبكافّة الظروف الأخرى، وخاصّة حالات الإحباط النّفسي الاجتماعي.
أمّا العنف، وهنا الحديث عن حالات القتل، والثّأر، وأذى الآخرين جسديّا، في المجتمع العربي الفلسطيني في الدّاخل فكثيرة مشاربه وأنواعه.
وهنا يدور الحديث عن العنف الاجتماعي فقط. وهذا العنف يرتبط ارتباطًا وثيقًا بواقع العرب الفلسطينيّين في الدّاخل، الواقع الذي يفرض تأكيد وجود الجماعة وحدودها، وذلك لأنّ الجماعة هنا جماعة ذات مميّزات خاصّة بها نبعت من سبل تكوّنها وتحوّلها إلى أقليّة تعيش في أرضها وتخضع لنظام أغلبيّة حاكمة، وفارضة سيطرتها عليها.
وفي هذا الواقع يبرز رفض الآخر أيّ الجماعة الخارجيّة لأنّها في هذه الحالة هي الأغلبيّة اليهوديّة التي ينظر إليها أفراد الأقليّة وكأنّها صورة من صور الاحتلال، وما سبل حكمها للأقليّة سوى فرض السّيطرة، والاستبداد، والقهر، وكبت الآخر.
وكلّ سلوك للأغلبيّة تجاه الأقليّة يفسّر بالعنصريّة، والنّبذ، والكراهيّة، وغير ذلك.
ثمّ أنّ جماعة الأغلبيّة اليهوديّة جماعة مغلقة اجتماعيّا وثقافيّا ممّا يمنع، نهائيّا، الحراك الاجتماعي بين الفئات والجماعات.
ولأنّ جماعة الأغلبيّة اليهوديّة بالنّسبة للأقليّة العربيّة هي جماعة التّقليد القريبة منها، والتّي تمثّل بالنّسبة لها جماعة غربيّة ترمز للحداثة والرّقي؛ فتأخذ عنها الكثير.
ولهذا فيصل الأمر إلى التّناقض. الأمر الذي سرعان ما يؤدّي إلى محاولات العودة للعادات، والتّقاليد المحافظة، إثباتا لشخصيّة الفرد والجماعة المستقلّة مقارنة بالعالم الحديث.
أمّا من حيث فرض السّيطرة فتدأب جماعة الأغلبيّة على فرض سيطرة سياسيّة أمنيّة بشكل ظاهر، ولا يقبل التّهاون.
أمّا في أمور أخرى فتفضّل السّريّة والإخفاء. ممّا يضعف سلطة القانون في المجتمع العربي الفلسطيني في الدّاخل لمحاولة المؤسّسة الحاكمة إهمالهم، وإغفال شأنهم، وإبعادهم من مركز الحدث. كما يُتَعَمّد عدم إشراكهم في التّخطيط، والتّطوير، والتّنمية، وكافّة الأمور الحيويّة.
وهكذا فيتحوّل القانون لدى أبناء المجتمع إلى أداة طيّعة يأخذون منه ما يخدم مصالحهم؛ لأنّه لم يُفرض من مؤسّسات مجتمعهم الدّاخلي، بل يمثل بالنّسبة لهم أيد لجماعة الأغلبيّة الخارجيّة لذلك يتسابقون في مخالفته، ويتفاخرون في عدم الانصياع له.
إنّ هذه النّظرة للقانون، والتّعامل معه بهذا الشّكل لتوصل إلى انفجار العنف، والذي يتمثل في الاعتداء الصّارخ على الأشخاص، والأرواح، والممتلكات، ولم تراع القيم الدّينيّة، ولا الاجتماعيّة، ولا الاخلاقيّة. كما لا تؤثّر حدود الجماعة، ولا التزام المشاركة، ولا حقوق الجوار، ولا القرابة العائليّة، وتظهر المجهوليّة الاجتماعيّة جهارًا نهارًا.
إنّ واقع أبناء المجتمع الفلسطيني في الدّاخل يتأثّر أيضا، بالقفزة الثّقافيّة السّريعة من المجتمع المحافظ التقليدي ذي القيم الدّينيّة والاجتماعيّة العربيّة إلى العالم الحديث حيث الحداثة والعولمة، والموضة وصرخاتها العصريّة.
وهكذا فالفرد العربي في الدّاخل يعيش في بيئتين مختلفتين؛ فمن ناحية أهل، ومدرسة، وشيوخ، وكبار سنّ، ومن ناحية أخرى شارع حديث، وفضائيّات، وتقنيّات حديثة، وشبكة عنكبوتيّة.
وهنا يأتي العنف كردّ فعل على تولد شعور الإحباط، والفشل في التّأقلم مع أسس العالم الحديث، المتمدّن، الضّاربة بالأخلاق، والسّلوكيات التّقليديّة عرض الحائط، والتي تهدف إلى معارضتها، ومحاربتها، وترى في ذلك رسالة اجتماعيّة.
كما هو ردّ فعل لصعوبة تأقلم العربي التّقليدي مع قيم الحداثة، والعولمة؛ فيعيش التّناقض القاتل الموصل حتمًا إلى الهزيمة.
وخاصّة في حالة اكتشاف الفرد العربي أنّ القانون الوضعي الحديث، بل التّربية الحديثة التي تهدف إلى إخراج المجتمع من بوتقة قيمه الاجتماعيّة المحافظة والقائه في خضم الحداثة يتناقضان مع عرفه وعاداته.
وتلخيصًا لما ورد، فيقال إنّ مجتمعنا في الدّاخل الفلسطيني يعيش عدم التّوافق الاجتماعي، وهو حالة تصيب المجتمع عندما يصيب القيم الاجتماعيّة نوع من الاضطراب وبدرجات متفاوتة، وأشدّها حالات الانحراف الاجتماعي، وهو الخروج غير الطّبيعي للفرد عن الأطر التي حدّدتها القوانين السّائدة للمجتمع في العرف، والأخلاق، والدّين. وهذا ما يطلق عليه حالة من المرض النّفسي الاجتماعي، ويجمع علماء النّفس الاجتماعي على أنّه السّبب الرّئيس وراء العنف بحالاته وأشكاله.

Be the first to comment

اترك رد