التوعية المالية والاقتصادية.. مسؤولية من؟!

قيصر إغبارية *

إن التوعية المالية والاقتصادية هي موضوع في غاية الأهمية، وهي جزء لا يتجزأ من منظومة الوعي التي يحتاجها المجتمع برمّته، والتي لا غنى عنها لمواجهة الحياة، وخوض غمارها بقوة وشجاعة.
التوعية المالية والاقتصادية تتركز في إيجاد جيل واع اقتصاديا وماليا، يعتمد على نفسه، محاربٌ للتبذير والإسراف، ويسعى نحو العمل والكسب والاعتماد على الذات، ونبذ الاتكالية على الآخرين، والقدرة على التخطيط ووضع الأهداف والسعي لتحقيقها، وأن يمتلك روح المبادرة والابتكار والإبداع، وغير ذلك من القيم والمبادئ التي من شأنها أن تساعد على رقي المجتمع وتقدمه وازدهاره.
لا يشك أحد أن نظام التعليم المدرسي فيه قصور فيما يتعلق بالثقافة المالية والوعي الاقتصادي، فهو لا يسلح الطلبة بما يحتاجونه لمواجهة الحياة فيما يتعلق بهذا الجانب، فترى كثيرا منهم يتخرجون من المدرسة ولا يعرفون أبسط الأمور عن المال، وكيفية المحافظة عليه، والتعرف على طرق استثماره، بل يُتركون وشأنهم ليخوضوا غمار الحياة، ولتتراكم عليهم الديون من كل جانب، دون أن يفهموا كيف يتعاملون مع كل مؤسسة مالية أو جهة حكومية، وليجهلوا أبسط الأمور فيما يتعلق بالحفاظ على المال، ومعرفة طرق إنفاقه…
فلا بد أن يقوم البيت بدوره في واجب التربية الاقتصادية والتوعية المالية، وكذلك لا بد أن تقوم المدرسة ويقوم المدرسون بأخذ دورهم في هذا المجال ويحرصوا على إكساب الطلاب والمعلومات والمهارات التي تعينهم في مستقبل أيامهم وليحققوا النجاح والعصامية في حياتهم.

مفهوم الوعي المالي والاقتصادي
ولكي نعرف أكثر وأكثر عن الوعي الاقتصادي، لا بد من معرفة معنى الاقتصاد، والذي يعني الوعي به: معرفته وإدراكه وفهمه والتبصر به. والاقتصاد باختصار هو معرفة طرق اكتساب المال وتنميته وأساليب توزيعه وضوابط استهلاكه وكيفية مبادلته وتداوله بين الناس، فهو إذن يتناول أربعة محاور وجوانب مهمة في حياتنا، ولا غنى لأي إنسان عنها، فالإنسان يبدأ بممارسة هذه الفعاليات الاقتصادية أو بعضها منذ أن يولد إلى أن يموت، فمنذ أن يولد سيبدأ بالاستهلاك، وعندما يكبر يحتاج لأن يعمل وينتج ويحصل على المال، كذلك الأمر يحتاج لأن يتبادل ويتداول هذا المال ليحصل على السلع والخدمات التي يريدها، كما أن ما يتم إنتاجه لا بد من قواعد وأسس عادلة لتوزيعه حسب الملكية أو الإسهام في العملية الإنتاجية، أو حسب حاجته إن لم يتمكن من ذلك.

أهمية الوعي المالي
أما أهمية الوعي الاقتصادي فهي نابعة من أهمية الاقتصاد نفسه إذ أن الاقتصاد هو عصب الحياة وقوامها، ولا يمكن أن يكون هناك حياة بدون اقتصاد، ولا يمكن أن نكون أمة قوية أو مجتمعا قويا بدون أن يكون عندنا اقتصاد قوي، بل سنظل تابعين لغيرنا، غير مكتفين بذاتنا. ولكي نحدث نهضة اقتصادية وقوة اقتصادية لا بد وأن يسبق كل ذلك وعي اقتصادي لأن النهضة هي مشروع فكري قبل أن تكون نهضة مشروعات وأعمال.

مجتمعنا والوعي المالي
ونتيجة لغياب التربية الاقتصادية الصحيحة فإن مجتمعنا العربي –للأسف الشديد- يعاني من ضعف الوعي الاقتصادي، إن لم نقل أنه يعاني من غياب الوعي الاقتصادي، بكل مجالاته ومحاوره، سواء على مستوى الوعي بتنمية المال وطرق تحصيله، وعلى صعيد إنشاء المبادرات وإدارة المشروعات، حيث تقول الإحصائيات بأن نسبة المشروعات في مجتمعنا العربي لا تتعدى 7% من مجمل عدد المشاريع في الدولة، وهذه المشروعات لا تشغل سوى 6% من الأيدي العاملة، في حين أن نسبة العرب في الدولة تتعدى 20%. هذا عدا عن مستوى وحجم هذه المشروعات، فقد أن نجد أن شركة إسرائيلية أو شركات معدودة تساوي أو تزيد في حجمها عن مجموع المصالح العربية كلها، وتشغل من الأيدي العاملة ما يزيد عن الأيدي العاملة التي تشغلها المصالح العربية.
أما إذا نظرنا إلى جانب الاستهلاك وإدارة الميزانية المالية، فنجد كذلك أن مجتمعنا العربي يعاني من سوء إدارة للميزانية ويفتقد الوعي بطرق وآليات الإدارة السليمة للميزانية، ما يؤدي إلى تراكم الديون، وقلة المدخرات أو انعدامها، ولا يخفى ما مدى تورط الأسر والأفراد في الديون لشتى المؤسسات سواء كانت للبنوك أو للمؤسسات الحكومية أو غير ذلك.
وإذا نظرنا إلى جانب الوعي بطرق التداول وأساليب التداول فكثيرا ما نرى أبناء مجتمعنا يقعون فريسة لخداع البنوك أو شركات خاصة..
أما أسباب ذلك فهي أسباب متعددة، منها ما هو بسبب السياسات الحكومية التي تهمش المجتمع العربي، وتضع العراقيل والقيود أمامه وتحول دون نهوضه وتقدمه، وهناك أسباب داخلية وذاتية، ناتجة عن افتقاد وضعف التربية الاقتصادية، وعدم تنشئة الأفراد على روح المبادرة وثقافة الأعمال، وأساليب إدارة المال وحسن التصرف به.

*مدير معهد سمارت للتدريب والاستشارات – ماجستير في الاقتصاد والمصارف الإسلامية

Be the first to comment

اترك رد