استطلاع مراهق حول “عيد الأم” بقلم : موسى حجيرات

Ad

موسى حجيرات
منذ سنوات تعوّدنا أنّه بحلول شهر آذار من كلّ عام نبدأ بالاستعداد للاحتفال بعيد الأم”؛ فنشتري الهدايا ما كبُرَ منها وما صغُرَ، ونحفظها حتّى يأتي يوم الواحد والعشرين ونسلمها بتعالٍ ومنّة.
كنّا نجتمع ونذهب بصحبة والدنا إلى الدّكان، نشتري قطع الحلوى لأمّي، أمّا أبي؛ فيشتري لأمّه حذاءً صغيرًا، ليس إلا مداسًا رخيصًا لأنّه يعزّها كثيرًا، وكانت أمّي تغار كثيرًا؛ فتشتري، أيضا، لأمّها ما اشترى أبي.
أمّا هذه السّنة فالأمر غريب جدّا. زاد الحديث عن “عيد الأم” فلا يكاد يخلو منه أي جمع، أو حشد من العامّة. كلّهم يشيدون به وبالغرب الذي أتى به، وكثيرون من يعتبرونه نعمة من الله أنعمها على الأمّهات.
وفي كثير من برامج الفضائيّات في هذه الأيّام يتحدّثون عنه، وتخصّص له أوقاتا كثيرة وبرامج خاصّة. والأمر كذا في مواقع الشّبكة العنكبوتيّة، وشبكات التّواصل الاجتماعي. وهنا ميدان النّفاق والرّياء، بل وحبّ الظّهور فكلّ من اشترى لأمّه البان الذي يُمضَغ، حتّى وأن ليس لها أسنان، يصوّره وينشره.
وبعضهم، أو للأدق بعضهن يصوّرن أمّهاتهنّ ويكتبن “أطال الله في أعماركنّ”.
وكتبت إحداهنّ على صفحتها مبيّنة حبّها لأمّها وتعلقها بها قائلة: “والله، يا ستّ الحبايب أنّي أتعلق بك كما يتعلق عليّ (ابنها الصّغير) بقطته”. وكتبت أخرى: ” والله، يا حبيبتي، تراودني نفسي أن أسرح شعرك، وأربط لك الضّفائر كصغيرتي بعد حمّامها”، وهي تعلم أن شيبة أمّها بالكاد تغطّي جلدة رأسها.
لا يتخيّل أحدكم بعد ما قيل أنّ هناك إجماع بتأييد “عيد الأم” والاحتفال به. فمن الجهة المقابلة احتشد الشّيوخ والخطباء على المنابر، وهجموا هجمة رجل واحد، وباتوا يخصّصون الخطبة تلو الأخرى عن البدعة فيه، والإثم عند الاحتفال به.
ما زلت في بدايات العقد الثّاني، ولكن التّناقض بين المنبر والميدان شغل فكري، فأسأل، فمثلا، أبي مؤيّد بصمت، وأمّي مؤيّدة بتلهّف، ونساء الجيران يزغردن، ويرقصن متباهيات متفاخرات بصنيعهنّ لأمّهاتهنّ.
خرجت أستطلع آراء الميدان لعلي أجد شيئا آخر، أو أجد ما يؤكّد الموجود. التقيت امرأة تبدو في العقد السّادس من عمرها، أو ينيف ، يقول منظرها أنّ لها أبناء كُثر وأحفاد أكثر؛ فخلتها ستصفّق وتزغرد إذا ما سألتها فرحًا بالمناسبة وقدومها، ولكن ما أن وجهّت سؤالي حول استطلاع رأيها حتّى شحب وجهها، وحملقت عيناها، وارتفعت يداها تمسحان وجهها تارة وتمسحان بعضهما تارة أخرى. ثمّ اصفرّ لونها، وأعادت النّظر إليّ وإلى نفسها، ثمّ استجمعت قواها وبدأت الحديث، وبصوت متقطع.
هي تعارض هذه المناسبة “عيد الأم” معارضة شديدة. أمّا سبب معارضتها فاعتقادها أنّ الاحتفال بـ”عيد الأم” بهذا الشّكل ما هو الا سخرية منها، واستهزاء بقدرها. فكلّ ما يُسلَك في هذا اليوم تجاهها هو تمثيل، ورياء، ونفاق، وفيه حبّ الظّهور، بشكل واضح، فالأمّ ليس هدف الإهداء إنّما إظهار الهديّة هو الهدف، وإلا لما تُنشر وتُشهَر.
الصّراحة تعاطفت جدّا معها، وحين أنهت حديثها الذي يلخّص بالشّكوى، وعدم الرّضى ذهبت قاصدًا غيرها.
وجدت أخرى مثلها، وتكاد تكون بنفس عمرها؛ فحين سألتها انتفضت وقالت جاهرة بصوتها حتّى تكاد تصرخ: “إنّ أهمّ ما يغيظني في خلق هذه المناسبة هو مقارنة حرائر الإسلام والعرب بالأجنبيّات، وكذلك مقارنة معاملتنا لأبنائنا وأمّهاتنا لمعاملة الغربيّين لأمّهاتهم. نحن حرائر العُربِ لا نُشترَى بهديّة، ثمّ ابتسمت، وقالت: ” بل هم بهديّتهم يفرحون”.
وجدت أخرى، فما سألتها حتّى انفجرت بالبكاء، وهي تقول، وكأنّها لا توجّه الحديث لأحد إنّما استرسلت، وبعفويّة تامّة، لكنّها لاذعة ومؤثرة: “حملنا في بطوننا، وقاسينا آلام الحمل والولادة، والتربية والرّعاية، وسهرنا، وعانينا ليال طوال، وهذا ما ينالنا منهم؟ “هديّة”!!
قالتها، بحنق وغيظ شديدين، ثمّ كرّرتها “هديّة!!!”، ثمّ أكملت: “إن استطعنا أن نتدبّر لوحدنا مدّة ثلاثمائة وأربعة وستين يومًا بدونهم فلسنا بحاجة لهم هذا اليوم، ثمّ تعالى بكاؤها فلم أتمالك نفسي فابتعدت عنها.
حدثت أخرى، وللمفاجأة وجدتها مؤيّدة لمناسبة “عيد الأم”، ولكن تحدّثت إليّ محملقة فيّ، واسترسلت بكلامها المنظوم بحيث لم أستطع التّمييز ما إذا كانت تعبّر عن مشاعرٍ حقيقيّة، أم أنّها متألمة ناقدة، وتقول: “هي فرصة لرؤية الأبناء مرّة واحدة في العام أفضل من لا شيء، ونحن في هذا الجيل لا نملك تقنيّات حديثة، وأجهزة ذكيّة تستطيع إرسال صور، وتغطي الأحداث. وحتّى إذا وجدت الهواتف الذّكيّة فنحن لا نستطيع استعمالها، ولا نستعمل الواتس أب والانستجرام”. قالتها باستهزاء قاتل.
استغربت وعجبت وحمدت ربّي أنّي لست أمّا، ولكن حمدت ربّي، أيضًا، أنّ لي أمّا يمكنني الإحسان إليها. فعدت، ولكن هذه المرّة تختلف عن سابقاتها، فسلمت عليها بدفء وحرارة، ونظرت إليها بعيني وبقلبي، بل وبكلّ أحاسيسي وعواطفي، ووصلت إليها بدون حلوى وبدون حذاء.

Be the first to comment

اترك رد