العيد الأحمر

أمر آخر وهو أنّ الأخذ بـ"عيد الحبّ"، والاحتفال به، وتقديره بالرّغم من المعرفة الحقّة أنّه ذكرى قدّيس غربي، أو يقال، هو كذلك جهل مطبق بالدّيانة الإسلاميّة، والتّراث الإسلامي الثّقافي الذي نادى بحبّ الله، وحبّ رسوله، والإسلام، والأمّة، والأهل، والعشيرة، والزّوجة، والأبناء، والجيران والحياة، والحريّة، وباختصار كلّ ما فيه خير.

Ad

د. موسى حجيرات

ليس معرض الحديث هنا عن “عيد الحبّ”، أو ” يوم الحبّ” أو “عيد العشّاق”، أو “يوم القدّيس فالنتاين”، أو المصطلحات المتداولة للدّلالة على هذه المناسبة المختلقة، أو تاريخ “العيد” وكيف بدأ، أو أهدافه، وما يرمي إليه المطالبون بالاحتفال به، أو المحتفلون به.
فالكلّ يعرفه عيد القدّيس فالنتاين الكاهن المسيحي الذي كان يزوّج العشاق المسيحيّين فيما بينهم. وبدأ الاحتفال به بعد إعدام القدّيس في بداية القرن الثّالث.
وأهمّ أهدافه الظّاهرة إظهار المحبّة والمودّة للأحبّة، وتبادل التّهاني، وبطاقات المعايدة، ولكن لا يخفى على أحد أنّ الرّسالة الحقيقيّة ما هي إلا أنّه “عيد ديني له ارتباط وثيق بعقيدة النّصارى، وبوثنيّة الرّومان. والنّصارى متخبّطون في نسبته، وفي بدايته، وهل هو من إرثهم، أم أنه من إرث الرّومان الذين كان لهم من الآلهة ما يشتهون؛ فالرّومان قد جعلوا، بزعمهم” للحبّ إله؟” (صيد الفوائد).
وفي هذه المقالة أريد أن أوضّح من وجهة نظر نفسيّة اجتماعيّة كيف تحوّل “عيد الحبّ”إلى قيمة اجتماعيّة عليا، بعد أن لم يقتصر على تقليد أعمى كغيره من الأمور التي يقلدها العرب الشّرقيّون تقليدًا أعمى.
أمّا ما جعله (العيد)، وجعل أخذه، والاحتفال به، والاحتفاء بقيمه كذلك هو أنّه، وللأسف، يشيع بين المجتمعات العربيّة الشّرقيّة تصوّر خاطئ، وهو أنّ كلّ ما هو غربي هو رمز للتّقدّم، والرّقي، والليبراليّة بينما كلّ ما هو شرقي هو رمز للتّأخّر والرّجعيّة.
وما ذاك إلا نتاج الحقد الغربي الدّفين على الحضارات الشّرقيّة، وخاصّة المسلمة والعربيّة، بعد التّغيير الكبير منذ العصور الوسطى حين وصلت الحضارة الغربيّة وبالأحرى الأوروبيّة الصّليبيّة إلى الجمود والتّأخّر، وشارفت على الأفول حين علا نجم الحضارة الإسلاميّة، وبدأت ترفع من شأن الشّرق وحضاراته التي دانت بالإسلام فتلاءمت وقيمه الاجتماعيّة، ومعاييره الحياتيّة، فصار الغربيّون الغيورون على حضارتهم وثقافتهم ينادون بمواجهة الشّرق وحضاراته سرًّا وعلنًا، وأوجدوا ما أسمَوه صراع الحضارات الذي ما هو الا الهجمة الشّرسة على الإسلام وحضارته.
وهناك أمر آخر وهو أنّ الأخذ به هو جهل مطبق بالحضارة العربيّة، وحياة العرب العاطفيّة حتّى في الجاهليّة. فبنو عذرة، مثلا، عرفوا الحبّ والعشق حتّى قيل “إذا عشق العذريّ مات”. وعنترة بن شدّاد العبسي أحبّ، واهتم بحمرة الدّم، والثّغر الباسم، وقال:
وَلقد ذكَرتُكِ والرِّماحُ نواهلٌ مِنّي وبِيضُ الهِندِ تقطرُ مِن دَمي
فوددتُ تقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها لمعَت كَبارقِ ثغرِكِ المُتبسِّمِ”.
وفي الإسلام، أيضًا؛ فقيس ابن الملوح أحبّ وجنّ فصار “مجنون ليلى”. وأحبّ بشار بن برد فقال:
“إذا طارف الحب انجلى عنك همّه ثناه من الحبّ الدّخيل تلاد”.
وقال أيضا: “لا يقتلُ اللَّهُ من دامتْ مودَّته” تقديسا للمحبّين. واحتفل حين تذكّر حتّى وصل إلى حدّ الثّمالة وقال معتذرًا: “لا تعذلوني فإنّي من تذكّرها نشوانُ”، وتساءل: “وهل يعذل الصّاحون نشوانا”.
وهناك أمر آخر وهو أنّ الأخذ بـ”عيد الحبّ”، والاحتفال به، وتقديره بالرّغم من المعرفة الحقّة أنّه ذكرى قدّيس غربي، أو يقال، هو كذلك جهل مطبق بالدّيانة الإسلاميّة، والتّراث الإسلامي الثّقافي الذي نادى بحبّ الله، وحبّ رسوله، والإسلام، والأمّة، والأهل، والعشيرة، والزّوجة، والأبناء، والجيران والحياة، والحريّة، وباختصار كلّ ما فيه خير.

كاريكاتير : هيثم الجاسم
كاريكاتير : هيثم الجاسم

وان كانت الزّوجة والمحبوبة فنادى بحبّها، واحترامها، وتوقيرها، والإحسان إليها، كما طالبها بذلك. ولم يقتصر على وردة حمراء تُهدى إليها، ولا أحمر شفاه يلطّخ طهارة شفتيها.
وهناك أمر آخر وهو أنّ “عيد الحبّ” هو حصر أهم العواطف تجاه الآخرين (أو الآخر الخاص) لمناسبة قصيرة وعابرة، في حين أن العاطفة العربيّة تجاه الآخر ثابتة ومستمرّة، ولا تنقص لكنّها تزيد في ظروف استثنائيّة كالبعد والبون، أو المرض، أو أي ظرف قاس آخر.
وبعد كلّ ذلك يتوجّه المنطق السّليم والتّفكير السّوي ويطالب أن أيّها العربي المسلم، خاصّة، قف وفكر، وستجد أنّ:
– اتّباع هذه المراسيم دلالة على الجهل بالموجود وعدم الثّقة به، إلى حدّ الاستخفاف به، فهو تراثك، وثقافتك، وحضارتك. ثمّ ألا تعلم أنّ استخفافك به يجعل الآخرين يستخفّون به، وهل ترضى أن يستخف الآخرون بما يخصّك؟
– اعلم أنّ المراسيم والطّقوس الشّكليّة لهذا “العيد” إنّما هي مهزلة لا تنمُّ إلا عن جنون وعناد.
فهل لباسك الأحمر فيه قيمة اجتماعيّة يفتخر بها؟ أم مدعاة للتّبجّح؟ واعلم أنّ أحمرك إن رأيته وردًا؛ فغيرك يراه دمًا. فمع من تتعاطف مع الورد الفرنسي؟ أم مع الدّم السّوري؟
– اعلم، كذلك، أنّ أخذك قيم الآخرين وتقليدها دلالة على تقديرك لها وايمانك بها دون فهمها وأدراكها، بل دون دراستها ونقاشها.
أليس ذلك يجعلك كالإمّعة كيفما مال الرّكب تميل؟ وتذكّر انّ من أحبّ قومًا حشر معهم.
ألا تدري ايّها المسلم انّك إن ابتغيت العزّة بهذا “العيد” لترفع شأنك لدى أنصاره أذلك الله، وإن ابتغيت التّقرّب به لواضعيه، والدّائبين على نشره، وجعله قيمة اجتماعيّة عليا أنّك إنّما تتقرّب إلى أعداء الله.
فاختر إلى أيّهما تتقرّب: إلى الله، أم إلى أعدائه؟
وأخيرًا، لا يقال: “هذا أمر بسيط وعابر”، فـ”ما النّار إلا من مستصغر الشّرر”.

Be the first to comment

اترك رد